المقدمة

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

ورد في الحديث النبوي الشريف، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صل الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن إستطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

ومن هذا الحديث الكريم أن نفهم أن مراتب الدين ثلاث، الإسلام فالإيمان ثم الإحسان، أي العمل (الفقه) والاعتقاد والسلوك، وعرف أهل السنة والجماعة مذاهب فقهية كثيرة، منها المذاهب الأربعة (الأحناف، المالكية، الشافعية والحنابلة)، وعلى صعيد الإعتقاد عرفوا أيضاً غير مذهب كالأشعرية والماتريدية، أما على أعلى مراتب الدين (الإحسان)، فكان له التصوف، أي السلوك، وطرق التصوف هي مذاهب السلوك، وهي بعدد أنفاس البشر، لكن غايتها واحدة، الوصول إلى أعلى وارقى مراتب الدين، وصدق التوجه إلى الله.

كان للتصوف تعريفات كثيرة، منها:

  1. علم يُعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة.
  2. تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية.
  3. علم تُعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية.
  4. علم قُصد إصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه. والفقه لإصلاح العمل وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام. والأصول “علم التوحيد” لتحقيق المقدمات بالبراهين وتحلية الإيمان بالإيقان.

ومصطلح التصوف، يعني مصافاة الله عز وجل، ويشرحه قول الشاعر أبو الفتح البستي رحمه الله:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا            وظنه البعض مشتقاً من الصوف
ولست أمنح هـذا الاسم غيرَ فتىً             صافى فصوفي حتى سُمي الصوفي

إننا في هذا الموقع الرقيق، نجمع ما تيسر من أحوال رجال التصوف، وأورادهم وصلواتهم وأشعارهم، عسى أن ينفع الله به عموم المسلمين.